هذه لغتكم فاحفظوا لها قدرها

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

[فلا يخفى عليكم أهمية اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وتحدث بها نبينا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي اله عنهم، وإليها تهفو نفس كل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها، فهي لغة العبادة للمسلمين كافة، وهي لغة التواصل والتخاطب بين أهلها؛ وأن الله سبحانه وتعالى قد شرّف اللغة العربية وخصها بأمرين عظيمين حيث أنزل كتابه بها واصطفى رسوله من أهلها والناطقين بها، فكانت بذلك وعاء لأصْلَي الإسلام العظيمين: القرآن والسنة. وقد أدرك سلف هذه الأمة الصالح هذه الحقيقة العظيمة فاحتفوا باللغة العربية وأنزلوها المكان اللائق بها وبقدسيتها، وأوجبوا تعلّمها وتعليمها على أنفسهم وأبنائهم، ولم يسمحوا لأنفسهم بالتساهل فيها ][1]، ذلك لأن العربية هي عرض الأمة فإن ضاعت ضاعت الأمة الإسلامية ، [و مما ابتلينا به في هذا الزمان انتشار اللغات الدارِجة ؛ فقضت على اللغة العربية لا يدركها إلا من تعلم قواعدها ! وهم العرب أهل اللغة ! راحت ... اندرست منهم بلغات محلية مخالفة للغة العربية ، فأصبحت اللغة العربية لا تدرك على وجه التمام إلا بالدراسة وبذل الجهود فيها ، والسبب اللغات الدارِجة التي تختلف باختلاف الأماكن والجهات والأقاليم فتجد مثلاً في المنطقة الواحدة لغات متعددة تخالف اللغة العربية ملحونة لا معنى لها ، والناس يتخاطبون بها الصغير والكبير ، والكبير يُلَقِّن الصغير اللغة الدارِجة ، فلو أن الناس حرِصوا على قواعد اللغة العربية وعلموها الأبناء الصغار لمشوا على النطق بها ، وهذه خسارة عظيمة . لا يستطيع الآن لا كبير ولا صغير ، ولا متعلم ولا غير متعلم أن ينطق في التخاطب باللغة العربية الفصيحة ، إلا باللغات الدارِجة في البيت التي من تأملها تمام التأمل وجدها لا تتفق مع قواعد اللغة العربية أبدًا ، وهذه خسارة عظيمة][2]، و كما قلنا فقد كان السلف يحرصون أن ينطق أبناؤهم اللغة العربية الفصحى ؛ لأنها لغة الدين ولا يسمحون لهم باللغات الدارِجة التي لا معنى لها ولا تتفق مع اللغة العربية.
قال الإمام البخاري - رحمه الله - : حدثنا أبو نعيم ، قال حدثنا سفيان عن عبيد الله عن نافع قال : '' كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن ''[3] .
قال فضيلة العلامة زيد بن محمد المدخلي - حفظه الله تعالى - في شرحه لكتاب : " الأدب المفرد " هذا الحديث فيه دليل :
''أولاً : على قدر اللغة العربية في شريعة الإسلام وما ذلك إلا لأنها لغة الدين الإسلامي ، نزل بها القرآن الكريم سمَّاه الله عربيًا ، ونَزَل بها الدين بأجمعه ؛ لهذا صار من أكبر النعم على العرب الذين ينطقون اللغة العربية ، وأكبر حُجَّة عليهم إذا لم يرفعوا بالقرآن رأسًا .
قال الله تعالى : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) . [ الزخرف : 44 ] . وإن القرآن لذكر لك يا محمد ولقومك : أي شرف وحظ ، وسوف تسألون : هل قمتم بحق هذا الشرف والحظ العظيم أم لا !؟
وقال - عز وجل - : ( لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) . [ الأنبياء : 10 ] . أي : شرفكم وعزكم أفلا تعقلون !؟''[4]
و قال الإمام البيهقي :[5]'' أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي ببغداد ، حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن الزبير الكوفي ، حدثنا الحسن بن علي بن عفان ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثني عبد الوارث بن سعيد العنبري ، حدثني أبو مسلم منذ خمسين سنة ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : تعلموا العربية ، فإنها تزيد في المروءة''
وروى أيضا عن الحسن رضي الله عنه أنه قال : ''أو ما بلغك عن كتاب عمر أنه كتب :تعلموا العربية وتفقهوا في الدين وأحسنوا عبارة الرؤيا''.
وروى الإمام أبن أبي شيبة :'' حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا واصل مولى ابن عيينة عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي بن كعب قال : تعلموا العربية كما تعلمون حفظ القرآن.''[6]
وقال الإمام الخطيب البغدادي:''أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحربي ، أنا علي بن محمد بن الزبير المكي الكوفي ، نا الحسن بن علي بن عفان العامري ، نا زيد بن الحباب ، حدثني عبد الوارث بن سعيد العنبري ، قال : حدثني أبو مسلم ، منذ خمسين سنة أن عمر بن الخطاب ، قال : تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة''[7]
وروى الإمام ابن عبد البر بسنده ، قال : ''وحدثناه أيضا محمد بن عبد الله بن الحكم ، قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن ، ثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال : نا محمد بن كثير ، ثنا شعبة ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان قال : كان في كتاب عمر رضي الله عنه : تعلموا العربية''[8]
وجاء عند ابن عساكر قال بعد أن ذكر السند : ''سمعت الشافعي يقول تعلموا العربية فإنها تثبت الفضل وتزيد في المروءة''[9]
ومما أثر كذلك ، فعن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: "تعلموا العربية كما تعلمون حفظ القرآن" [10].
وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ''ما كنت أدري ما معنى :﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[الأنعام: 14] حتى سمعت امرأة من العرب تقول: أنا فطرته. أي: ''ابتدأته''، وقال: ''إذا خَفِيَ عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب''[11].
وكان الإمام الشافعي حجة في العربية وغيرها وكان يقول رحمه الله: ''ما أردت بها يعني العربية إلا الاستعانة على الفقه ''[12].
و مع هذا فقد فرّط الكثير في هذه اللغة حتى أصبح الخطيب على المنبر يلحن لحنا تقشعر منه الأبدان و حتى يستفيد القارئ أكثر لا بد من معرفة اللحن و ما المقصود به و كيف كان يتعامل معه السلف قديما :
اللحن في اللغة العربية :
اللحن في اللغة هو تغيير شكل الحرف ، وهو مستقبح من كلّ من يفهم العربية الصحيحة ، والأعراب الذين لم يعرفوا اللحن، لا يفهمون مراد المتكلّم إذا لحن ،
وكان ابن عمر وابن عباس يضربان أولادهما على اللحن
وقد قال عبد الملك بن مروان : اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب والجدري في الوجه.
دخل رجلُ على زياد فقال له : إن أبينا هلك ، وإن أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا
. فقال زياد : ما ضيّعت من نفسك أكثر مما ضاع من مالك .
قال حماد بن سلمة : من لحن فلا يحدث عني .
وقال همام : ما حدثتكم عن قتادة ملحوناً فاعربوه ، فإن قتادة كان لا يلحن .
وقال ابن شبرمة : ما رأيت لباساً على رجل أحسن من فصاحة ، وإن الرجل ليتكلّم فيُعرب فكأن عليه الخز الأدكن ، وإن الرجل ليتكلّم فيلحن فكأن عليه أسمالاً وإن أحببت أن تعظم في عين من كنت في عينه صغيراً ، ويصغر في عينك من كان فيها كبيراً فتعلّم النحو . [13]
قال ابن حبّان :ما يستوي عند أولي النهى ، ولا يكون سيّان عند ذوي الحجى رجلان : أحدهما يلحن ، والآخر لا يلحن . وقال ابن هبيرة :والله ما استوى رجلان حسبهما واحد ، ومروءتهما واحدة ، أحدهما يلحن والآخر لا يلحن ، إلا أن أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن . فقال سالم بن قتيبة : أصلح الله الأمير، هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيّته ، أرأيت في الآخرة ، ما باله فُضِّل فيها ؟ قال : إنه يقرأ كتاب الله على ما أنزل ، والذي يلحن يحمله لحنه على أن يُدخل في كتاب الله ما ليس فيه ، ويُخرج منه ما هو فيه قال سالم : صدق الأمير وبرّ .[14]
وقال شعبة: مثل الذي يطلب الحديث ولا يتعلّم النحو مثل البرنس لا رأس له . [15]
قال الأصمعي : أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم : “من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار” لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن لحّاناً ، ولم يحلن في حديثه ، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه . [16]
وكان أيوب السختياني يقول : تعلّموا النحو فإنه جمالٌ للوضيع ، وتركه هجنة للشريف . [17]
قالوا : العربية تزيد في المروءة . وقالوا : من أحب أن يجد في نفسه الكبر فليتعلم النحو[18]
وقال يحيى بن خالد : ما رأيت رجلاً قط إلا هبته حتى يتكلّم ، فإن كان فصيحاً عَظُمَ في صدري ، وإن كان قصّر سقط من عيني . [19]
تعددت مظاهر اللحن فمنها :
أولا: اللحن في الحركات الإعرابية : فاللحن الذي هو الخطأ في الإعراب يقال منه لحن في كلامه بفتح الحاء يلحن لحنا فهو لحان ولحانة و عليه فلا يصححون أواخر الكلمات ، كما تقتضيه قواعد النحو ، وذلك كما في لحن ابنة أبي الأسود الدؤلي ، إذ قالت له يوماً : يا أبت ما أحسنُ السماء فقال : أي بنيه ، نجومها ، فقالت : إني لم أرد : أي شيء منها أحسن ؟ إنما تعجب من حسنها ، قال : إذا فقولي ما أحسنَ السماء ! - وسمع أعرابي مؤذناً يقول : اشهد أن محمداً رسولَ الله ـ بنصب رسول ـ فقال الأعرابي : ويحك! يفعل ماذا ؟
ثانيا: اللحن في بنية الكلمة ، قيل لنبطي : لم اشتريت هذه الأتان ؟ فقال : اركبها وتلد لي، بفتح اللام من تلد .
ثالثا: اللحن في تركيب الجمل ، قال الجاحظ : قلت لخادم لي : في أي صناعة أسلموا هذا الغلام ؟ قال : في أصحاب سند نعال ، يريد في أصحاب النعال السندية.
رابعا:اللحن في نطق الأصوات ، وذلك يحدث عندما لا يستطيع المتكلم إخراج الصوت من مخرجه ، فيبدله بآخر قريب منه ، وهذا يحدث مع الأعاجم ، وهو المعروف باللكنة ، والتي هي عجمة في اللسان وعِيُّ ، ومن ذلك : ما رُوي من قول قيل لزياد : أهدوا لنا هُمَارَ وَهْشٍ ، فقال : ما تقول ؟ ويلك ! يقصد : حمار وحشٍ (أي الحمار الوحشي) لكنه أبدل الحاء هاء. ونظراً لانتشار اللحن على ألسنة الخاصة والعامة ، انطلق العلماء إلي البوادي يستنطقون الأعراب ، ويحفظون عنهم ، ويدونون في أوراقهم ما تسمعه آذانهم ، وكان هدفهم ـ كما قلنا سابقاً ـ الحفاظ على لغة القرآن الكريم ، فكان أن جمعوا من ذلك كثيراً ، ومن هذا كله تكونت الرسائل اللغوية والمعاجم .
خامسا :واللحن الذي هو التعريض والإيماء، قال القتال الكلابي :
ولقد لحنت لكم لكيما *** تفهموا ووحيت وحيا ليس بالمرتاب
ومنه قوله صلى الله عليه و سلم وقد بعث قوما ليخبروه خبر قريش:{ الحنوا لي لحنا}
أشيرا إلي ولا تفصحا وعرضا بما رأيتما أمرهما بذلك . ويقال جعل كذا لحنا لحاجته إذا عرض ولم يصرح .
سادسا : واللحن الذي هو المعنى والفحوى كقوله تعالى:{ ولتعرفنهم في لحن القول} [محمد : 30] ، أي: في فحواه ومعناه
سابعا : واللحن الذي هو اللغة كقول عمر رضي الله عنه "تعلموا الفرائض والسنن واللحن كما تعلمون القرآن" يريد اللغة وجاء في رواية تعلموا اللحن في القرآن كما تتعلمونه يريد تعلموا لغة العرب بإعرابها وقال الأزهري معناه تعلموا لغة العرب في القرآن واعرفوا معانيه كقوله تعالى ولتعرفنهم في لحن القول أي معناه وفحواه فقول عمر رضي الله عنه تعلموا اللحن يريد اللغة وكقوله أيضا أبي أقرؤنا وإنا لنرغب عن كثير من لحنه أي من لغته ومنه قول أبي ميسرة في قوله تعالى {فأرسلنا عليهم سيل العرم} قال العرم المسناة بلحن اليمن أي بلغة اليمن ومنه قول أبي مهدي ليس هذا من لحني ولا لحن قومي
ثامنا : واللحن الذي هو الغناء وترجيع الصوت والتطريب، يقال فلان لا يعرف لحن هذا الشعر أي لا يعرف كيف يغنيه وقد لحن في قراءته إذا طرب بها .
موقف عمر بن الخطاب من اللحن :
ظهر اللحن في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن فُتحت الشام وفارس ، ولكن العرب كانوا يستهجونه.
فقد رُوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرَّ بقوم يرمون ، فاستقبح رميهم .. فقال : " ما أسوأ رميكم " ، فقالوا :" نحن قوم متعلمين " .. فقال عمر :" للحنكم أشد عليَّ من فساد رميكم ".. وهذا إنما حصل من الموالي والمتعربين ولصعوبة تمييزهم أحوال المثنى والجمع في النطق .. كما يصعب ذلك على كثير منا الآن !.
موقف النحاة :
و كان النحاة قديما يردون على من لحن في العربية و لو لحنا بسيطا فقد سمع عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي (117 هـ) الفرزدق عندما مدح عبد الملك بن مروان في قوله:
إليك أمير المؤمنين رمت بنا ....هموم المنى و الهوجل المتعسف
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع ....من المال إلا مسحتا أو مجلفُ
فسأله الحضرمي: على أي شيء ترفع أو (مجلفُ ) فأجابه الفرزدق: على ما يسوؤك وينوؤك علينا أن نقول وعليكم أن تحتجوا" [20]
قلت : و الفرزدق لحن لحنا فاحشا لأنه خالف قانون العربية إذ عطف بالمرفوع على المنصوب ، فالصحيح : إلا مسحتاً أو مجلفَ.
و كذلك أنكر عليه في قوله :
مستقبلين شمال الشام ....تضربنا بحاصبٍ كنديف القطن منثورٍ
عَلَى عمائمنا تلقى ....وأرحلنا عَلَى زواحف تزجى مخها رير
كان عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي يكثر الرد على الفرزدق حتى هجاه الفرزدق ، فقال فيه :
فلو كَانَ عَبْد اللَّهِ مولى هجوته.... ولكن عَبْد اللَّهِ مولى مواليا.
قلت : و هذا و الله هجاء مقدح إذا لم يجعله عبدا مجردا بل جعله عبد أعبدٍ ، و لكن أفتحسب أن أبا إسحاق يغار على عرضه و لا يغار على عرضه اللغوي؟ هيهات .
فقال له ابن أبي إسحاق و قد لحنت كذلك و إنما مولى موالٍ
هذه هو العرض الحقيقي فإن لم تحفظه ضيعت أمة بأكملها . فاللهم سلم سلم.
تعلم العربية من الدين :
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله '' إنّ اللغةَ العربيّةَ من الدِّين، ومعرفتُها فرضٌ وواجبٌ، فإنَّ فهم الكِتابِ والسُّنةِ فرضٌ، ولا يُفْهمُ إلاّ باللغةِ العربيةِ، وما لا يتُّمُ الواجبُ إلاّ بهِ فهو واجبٌ[21] ''
وقوله أيضاً: '' وليس أثر اعتياد اللغة الفصحى مقصوراً على اللسان ، بل يتعمق حتى يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قوياً بيِّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق''
و قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله :'' يدلّ على مراد الله ورسوله من الألفاظ ، وكيف يُفهَم كلامُه . فمعرفة العربية التي خُوطبنا بها ممّا يُعين على أن نفقه مرادَ اللهِ ورسولِه بكلامِه ، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني ، فإنّ عامّة ضلال أهم البدع كان بهذا السبب ، فإنّهم صاروا يحملون كلامَ اللهِ ورسولِه على ما يَدّعون أنّه دالٌّ عليه ، ولا يكون الأمر كذلك''
الرطانة :
التكلم باللغات الأجنبية:
عَنْ سفْيَانَ الثَّورِيِّ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تَعَلَّمُوا رَطَانَةَ الْأَعَاجِمِ وَلَا تَدْخُلُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي كَنَائِسِهِمْ يَوْمَ عِيدِهِمْ فَإِنَّ السَّخْطَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ . ''[22]
والرَّطَانة [بالفتح]:والرِّطَانة[بالكسر]كلام لا يَفْهمه الجمهور ,والعرب تَخُص بها غالبا كلامَ العجم وعليه فالرطانة التكلم بالعجمية
قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ :'' وَأَمَّا الرَّطَانَةُ وَتَسْمِيَةُ شُهُورِهِمْ بِالْأَسْمَاءِ الْأَعْجَمِيَّةِ فَقَالَ حَرْبٌ : ( بَابُ تَسْمِيَةِ الشُّهُورِ بِالْفَارِسِيَّةِ ) قُلْتُ : لِأَحْمَدَ فَإِنَّ لِلْفُرْسِ أَيَّامًا وَشُهُورًا يُسَمُّونَهَا بِأَسْمَاءِ لَا تُعْرَفُ فَكَرِهَ ذَلِكَ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ وَرَوَى فِيهِ عَنْ مُجَاهِدٍ حَدِيثًا أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ أذرماه وذماه قُلْتُ : فَإِنْ كَانَ اسْمَ رَجُلٍ أُسَمِّيهِ بِهِ فَكَرِهَهُ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِنَهْيِ عُمَرَ عَنْ الرَّطَانَةِ مُطْلَقًا .''
وفي لفظٍ آخرَ عَن عُمَر: تعَلَمُوا العَربيةَ فإنها مِنَ دينِكُمْ، وتعلموَا الفرائضَ فإنَها مِنْ دِينِكُمْ.
وأما الرطَانَة : التي هي التَكلمُ بغير العربيةِ تشبهًا بالأعاجم، فقد قالَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ: إيَّاكم وَرَطَانة الأعاجم. وأنْ تدخلوا على المشركينَ يومَ عيدهم في كنائسهم.
وفي لفظ آخر عن عمرَ - رضي الله عنه - لا تَعَلّموَا رَطَانَةَ الأعاجمِ، ولا تدخلوَا على المشركين في كنائسهم يوَم عيدهم فإن السخطة تنزلُ عليهم.
وقالَ الإِمامُ مالك : لا يُحرِمُ بالأعِجمية، ولا يَدعُو بها، وَلا يحلف.[23]
وقال : نهَى عمَر - رضي الله عنه - عن رطانةِ الأعاجم.
وَكَرِهَ الإِمامُ الشافعي لمن يعرف العربيةَ أن يتكلم بها خالطاً بالعجمية وهو ظاهرُ كلامِهِ فيما حكاه عنه ابن عبدِ الحكم.
وقد روى السَلَفِيًّ بإسناده عن نافع عن ابن عِمر قال : قال رسوَل الله صلى الله عليه و سلم :''مَنْ يحسن أن يتكلمَ بالعربيةِ فلا يتكلم بالعجمية فإنَّه يُورثُ النِّفاق''.
ورواه أيضا بإسناد آخر عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال رسوَل الله صلى الله عليه و سلم:''مَنْ كان يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فإنَها تورث النِّفاق''.
وهذان الحديثان يقتضيان ِتحريم الكلام بالعجمية لقادر على العربية إلا لحاجةٍ. والمختارُ أن ذلكَ مكروه. ''
هذا ما اتسطعنا جمعه و الحمد لله على توفيقه ، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا.

أخوكم بلال الجزائري

[1]: منقول من شبكة سحاب.

[2]: ما بين معكوفتين منقول من :حرص السلف الصالح على تعليم أبنائهم وأسرهم اللغة العربية الشيخ زيد بن محمد المدخلي حفظه الله.

[3]: الأدب المفرد : باب : الضرب على اللحن .

[4]: حرص السلف الصالح على تعليم أبنائهم وأسرهم اللغة العربية.

[5]: انظر شعب الإيمان للبيهقي.

[6]: مصنف ابن أبي شيبة.

[7] : الجامع لأخلاق الراوي والسامع للخطيب البغدادي.

[8]: انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر المالكي.

[9]: التاريخ الكبير ابن عساكر.

[10]: ذكره بن أبي شيبة في مصنفه.

[11]: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي.

[12]: تاريخ دمشق لابن عساكر.

[13]: البيان والتبيين (1/141).

[14]:روضة العقلاء لابن حبان :(ص: 220).

[15]: بهجة المجالس (1/62).

[16]: روضة العقلاء: (ص223).

[17]: البيان والتبيين: (ص323).

[18]: بهجة المجالس (1/66).

[19]:المستطرف في كل فن مستظرف(1/66).


[20]: نقد الشعر عند العرب في الطور الشفوي، الدكتور عبد العزيز جسوس، ط2، المطبعة والوراقة الوطنية الداوديات مراكش، المغرب، ،2008 (ص 14).

[21]: انظر الإقتضاء.

[22]: رواه عبد الرزاق في مصنفه (1609) ، و البيهقي في السنن ( 18640)

[23]: رواه ابنُ القاسم في (المُدونة)